الطبراني

392

التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )

شاكّا في جزاء عمله وجزاء عملهم ، وقال الكلبي ومقاتل : ( هذه الآية منسوخة بآية الجهاد ) « 1 » . قوله تعالى : وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَ فَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ ( 42 ) ؛ قال ابن عبّاس : ( نزلت في يهود المدينة ، كانوا يبلغون مكّة فيأتون رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فيسألونه ويستمعون قراءته فيعجبهم ذلك ويشتهونه ؛ ثمّ تغلب عليهم الشّقاوة فلا يؤمنون به ) . والمعنى : ومنهم من يستمع إليك وهو في المعنى كأنّه متفكّر في ما تقول وهو غير متفكّر فيه . قوله تعالى : وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَ فَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ ( 43 ) ؛ نظر من هو في الظاهر مستمع إلى كلامك ، وطالب الانتفاع به ، وليس في الحقيقة كذلك ، قوله : ( أَ فَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ ) أي كما لا يقدر أن يسمع كلامك الصمّ ، فكذلك لا يقدر على أن ينتفع من كلامك غير طالب الانتفاع به ، وكما أنّك لا تقدر على أن تبصر العمي ، فكذلك لا تقدر على أن تنفع بما يأتي من الأدلّة من ينظر ولا يطلب الانتفاع بها . وفي الآية ما يدلّ على تفضيل السّمع على البصر ؛ لأنه تعالى ذكر مع الصم فقدان العقل ، ولم يذكر مع العمى إلا فقدان البصر . قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً ؛ أي لا ينقص من حسناتهم ، ولا يزيد في سيّئاتهم ما يمنعهم الانتفاع بكلامه وأدلّته ، وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( 44 ) ؛ بأن لا يطلبوا الانتفاع به ويعرضوا عن التفكّر فيه ، أخبر اللّه في هذه الآية أن تقدير الشّقاوة عليهم لم يكن ظلما منه ؛ لأنه يتصرّف في ملكه كيف يشاء ، وهم إذا كسبوا المعاصي فقد ظلموا أنفسهم ؛ لأن الفعل منسوب إليهم وإن كان القضاء من اللّه عزّ وجلّ . قوله تعالى : وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ ؛ أي ويوم يجمعهم في الموقف كأن لم يلبثوا في الدّنيا إلا قدر ساعة من

--> ( 1 ) عن الكلبي ومقاتل وابن زيد ؛ نقله القرطبي في الجامع لأحكام القرآن : ج 8 ص 346 . وفي جامع البيان : تفسير الآية ؛ قال الطبري : ( ( وقيل : إن هذه الآية ، نسخها الجهاد والأمر بالقتال ) ) .